أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
88
شرح مقامات الحريري
باللّين والصبغ ، وذلك مذكور في العاشرة ، وجعلها لابسة السواد ، لأنّ أهل الشرق يلبسونه لحزنهم ، وأهل الأندلس يلبسون البياض لحزنهم ، قال الشاعر : [ الوافر ] ألا يا أهل أندلس فطنتم * بلطفكم إلى أمر عجيب لبستم في مآتمكم بياضا * وجئتم منه في زيّ غريب صدقتم فالبياض لباس حزن * ولا حزن أشدّ من المشيب وأنشد أبو عثمان الأشناندانيّ في أبيات المعاني له : [ البسيط ] أرعت مراتع مدراها على عجل * صنوين إن أفردا لم يرعيا أبدا واستبدلت من رياض الحزن مونقة * ثوب الأمير الذي في ملكه قعدا عنى بمراتع مدارها شعرها ، وبصنوين مقصّ حلقته به ، وبرياض الحزن ثيابا ملوّنة ، وبثوب الأمير ثوبا أسود ، لأن ملوك بني العباس لباسهم السواد وعارض ابن لبّال الحريريّ في أبياته فقال : [ مجزوء الكامل ] ودّعتها ومدامعي * تنهلّ بالدّمع الطّليق فبكت فأذرت أدمعا * في صفحة الخدّ الأنيق ومضت تعضّ بنانها * بين التلهّف والشهيق ورأيت مبيضّ اللّج * ين يعضّ محمرّ العقيق وكما عارض بيت الحريري عارض قول البحتريّ المتقدم : [ السريع ] يا بأبى ظبيّ إذا مارنا * أثخن قلبي وفؤادي جراح يفترّ عن طلع وعن جوهر * وفضّة أو حبب أو أقاح فزاد عليه بوصفين . [ مما قيل في الفراق ] ومما يناظر ما تقدّم من البكاء عند الفراق قول محمد بن يوسف : [ الكامل ] وكأنّما أثر الدموع بخدّها * طلّ تساقط فوق ورد يانع عذب الفراق لنا قبيل وداعنا * ثم اجترعناه كسمّ ناقع وقال ابن الروميّ : [ المنسرح ] لو كنت يوم الوداع شاهدنا * وهنّ يطفئن غلّة الوجد لم تر إلّا دموع باكية * تسفح من مقلة على خدّ كأنّ تلك الدموع قطر ندى * يقطر من نرجس على ورد